سيد عويس ترك رصيدا من الأعمال العلمية التي تسبق عصره

دكتورعمرومنير ل"أذواق" :
سيد عويس ترك رصيدا من الأعمال العلمية التي تسبق عصره

قضى الدكتور سيد عويس عميد علماء الاجتماع في مصر حياته في  رصد وتحليل الظواهر الاجتماعية والعادات السلوكية والموروثات القديمة،  ووصف بأنه الضمير الحي للمجتمع في  همومه وطموحاته المستقبلية، حيث تناول تاريخه  بصدق وحلل ظواهره وسماته بموضوعية تاركا للمجتمع عشرات الكتب والدراسات والمحاضرات. 

وبالرغم من مرورنحو 35 عاما على رحيله إلا أن أعماله ونظرياته لاتزال تلقى اهتماما بالغا من جانب الباحثين والدارسين ومنهم الدكتورعمرومنيرأستاذ التاريخ الوسيط بجامعة"جنوب الوادي"الذي قدم أخيرا بحثا جديدا حول رحلة رائد علم الاجتماع الدكتورسيد عويس، وكان لنا هذا الحوارمعه :

 ـ كيف تري دراسات سيد عويس من الناحية التاريخية ؟ 

ـ الحقيقة إن كتابات دكتورسيد عويس تكاد تكون كلها علامات مهمة سواء في تفرد الطرح أو المعالجة؛ نظرا لاشتغاله مبكرًا في ميدان البحوث الجنائية بالمعهد القومي للبحوث الجنائية، وكان على وعي بميلاد مهنة علمية جديدة سنة 1956م " مهنة البحث العلمي في محيط العلوم الإنسانية" في مصر والتي من خلالها بدأ يرصد شخصيات الناس، وأنماط سلوكهم ، والمواقف التي يواجهونها، والظواهر الاجتماعية التي تسود المجتمع المصري، من خلال نظرات باحث علمي اجتماعي مصري، يعمل على اكتشاف الأشياء واكتساب المعرفة بماهيتها ويعمل بروح مؤرخ ليوميات الناس في الحواري والأزقة بهدف معاونة متخذي القرار، وتيسير سبيل المنفذين للعمل من أجل مواجهة العقبات التي تواجه التنمية الشاملة والتي جاءت نتاجًا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرت بها مصر بعد ثورة يوليو 1952م، التي خلقت ظروفًا موضوعية تاريخية للتطور الفكري والاجتماعي الذي فرض الاتجاه إلى حياة الشعب وتاريخه وميراثه وفنونه بهدف دعم شخصيته وتأصيل الطابع القومي في الإنتاج الفني والثقافي، والاجتماعي، ومن يمعن النظر في النقلة النوعية التي أحدثها الإنتاج الأكاديمي الرصين لجيل ما بعد الثورة في حقل الدراسات الاجتماعية على مدى أكثرمن خمسة عقود خلت. 

وفى وسعنا تفسيرهذه الظاهرة الجديرة بالاهتمام من خلال نظرية تربط عادة بين ما يطرأ على بنية النظام الاجتماعي من تغير، وبين ميلاد جيل ينعكس عليه هذا التغير، ويفجر فيه طاقات جديدة واهتمامات جديدة تتواكب مع مسار ذلك التطور وظهرت كتابات سيد عويس تسايرالاتجاه السائد وقتها، وبدا في مجال عمله كأول أخصائي اجتماعي محترف في ميدان خدمة الجماعة وكرس حياته من أجل كل من مهنة الخدمة الاجتماعية ومهنة البحث العلمي الاجتماعي والتأريخ الاجتماعي ، فكان يراهما توأمتان تكاد متماثلتين؛ إذا ازدهرت إحداهما تزدهر الأخرى، وهى ارتبطت بحقول معرفية أخرى كعلم التاريخ وعلم الفولكلور.

وإذا تصفحنا واحدة من أعماله ومقالاته وكتبه ودراساته الحاضرة التي تمس كل أعمالنا وشواغلنا تزداد الذاكرة توهجاً بصنيعه الخالد بيننا مثل كتاب "رسائل إلى الإمام الشافعي" أحد أهم محاولات تطبيق المنهج العلمي في فهم الظواهر الاجتماعية الغريبة التي مارسها أجدادنا منذ القدم، وكيف استطاع ربط الماضي بالحاضربين القديم والواقع المعيش، من خلال علاقة رسائل المصريين القدماء لموتاهم بالرسائل التي ترسل للإمام الشافعي، تعكس ظروف معيشتهم الاجتماعية والثقافية إذ كان التعالي المهمشين والصامتين جزءاً من نكسة مريرة. 

ماذا يمثل سيد عويس بالنسبة الي المؤرخين المصريين؟

الإجابة ببساطة ما تركه من رصيد من الأعمال العلمية التى سبق بها زمانه، وما حفره في ذاكرة عدة أجيال لاتفتأ تستعيد كتاباته الفكرية المهمة في حقول إنسانية ومعرفية مهمة تتعلق بـ(الاجتماعي)، و ( الشعبي) ، و(الفولكلوري)، و(الثقافي)، و(الأنثروبولوجي) ، (السيميا) وقد لا نجد فى قاموسنا كلمات نحسن بها التعبيرعما يخالجنا من شعور وإحساس حين تلهج ألسنتنا بذكراه فى أعقاب مناقشة أعمال درامية كـ"صاحب المقام" تتعلق بظواهراجتماعية تتعلق بالدين وفهمه أو ما نقرأه اليوم على ظهرالتوك توك وسيارات النقل والموتوسيكلات من بث الشكوى وميراث الأسى لأجدادنا العباقرة الذين اختصروا فلسفة الحياة فى عبارات وأمثال تعكس مزاجهم ورؤيتهم للمجتمع والناس والمناخ الثقافي أوإذا تصفحنا واحدة من أعماله ومقالاته وكتبه ودراساته الحاضرة التى تمس كل أعمالنا وشواغلنا الذهنية وغاص في بحرالمجتمع والثقافة والشخصية المصرية، واحتل وما يزال موقع الصدارة في ميدان العلم الاجتماعي ، باحثًا ورائدًا للعمل العلمي الاجتماعي التطبيقي ومعينًا للمؤرخ الاجتماعي على فهم و بيان أهمية الذهنيات، من حيث كونها أنسب الوسائل لملامسة صدى حضورالتاريخ في الحاضر، وأن الموروث الاجتماعي والثقافي والشعبي، هو بمثابة شاهد على ذهنية المجتمع.

 ويساعدنا على فهم إنسان العصرالذي يدرسه بآماله وهمومه والأفكارالتي توجه حركته، والرؤى الاجتماعية التي يرى من خلالها العلاقات إن الهم الأعظم لكل دراسات سيد عويس كان البحث عن التفسير الاجتماعي والأنثروبولوجي والشعبي لأحداث التاريخ «روح المجتمع وتاريخه لا جسده»، ومن ثم فتح المجال للتاريخ الاجتماعي كنمط جديد على تقاليد الكتابة التاريخية العربية.

ـ  لماذا تأخر الاحتفاء بمنجز سيد عويس  حتي الآن علي الساحة المصرية؟

ـ حديثنا اليوم في (أذواق) عن سيد عويس هو نوع من استعادة الوعي ومحاولة لإعادة قراءة وإحاطة بالجوانب المتعددة للمثقف والإنسان إمام الاجتماعيين وعالم الثقافة والأنثروبولوجيا، ولعلنا وقوفنا اليوم للاحتفاء المتجدد بهذه القيمة يضعنا من جديد أمام إمكانية الفرح ولنكشف عن قدرة الشيخ الاجتماعي والمؤرخ سيد عويس على النفاذ إلى روح مصر ولما لا؟! وهو المعفًر بأديم ثقافة وتراث هذا الشعب . 

وإنه لمن دواعي الأسى ما جُبلت عليه الحياة الثقافية في مصروالبرزخ العربي من الاحتفال بالقامات الثقافية والفكرية بعد رحيلها مما يعد مؤشراً خطيراً عن مجتمع أصبح عاجزاً عن تحقيق قدرمن التوازن في أقداروأدوار أبنائه . .ولعل روح العلامة سيد عويس تغفر لنا هذه الكلمات بحقه، والتي لا توفيه ما يستحقه من ثناء واحتفاء، ودعوة لاستعادة قيمنا المنقرضة وواجباتنا تجاه رموز وأبناء وطن تحجرت في مآقيه الدموع . 

ـ  هل تمثل الأزمات الاجتماعية دورا في عودة الناس الي ماضيهم وكيف تفاعل سيد عويس مع ظروف مجتمعه؟

ـ سيد عويس كان محقًا في نظرته إلى المجتمع المصري كموسوعة ثقافية اجتماعية حية بالفعل في مسيس الحاجة إلى اهتمام البحوث العلمية المصرية بقراءتها واهتمام الجامعات المصرية، ورآه معملا ثقافياً ميدانياً عظيماً؛ فجاءت دراساته في ميادين الثقافة والأنثروبولوجيا والجريمة والخدمة الاجتماعية، وغلب على دراسته الطابع الميداني التطبيقي القائم على الملاحظة والاستبيان وتحليل المضمون المليء بالقضايا الإنسانية التى يُتعامِل معها فى سياق علمي محكم وببساطة وعمق آسرين وفى منطقة هامة من مناطق التعرية لكل ما هوغامض وممتنع ينبش فى الأعمق من هذا الخضم ليأتي بنتائج وتوصيات علمية يؤكد على طرح السؤال فى لحظة إنسانية تكاد تكون مصيرية وفعالة لافتضاح أزمات الواقع وتعريته وبث معطيات جمالية تعيد للمجتمع الإنساني موقعه الأمثل بعيداً عن (الهوى) كنتاج لثقافة المجتمع ويرفض قاعدة : وجود المسجد لا يغني تطبيق القيم وأن تحقيق ذلك يتطلب أن يضم المسجد قاعة لاجتماع الأسروالعائلات في المناسبات ، ومكتبة ، ومستوصف طبي ، وقاعات للأنشطة الثقافية والاجتماعية، ودار للحضانة، وروضة الأطفال. 

لماذا يتعالي بعض الباحثين في الوقت الحالي علي تصرفات المصريين ووصمها بالخرافات و الشعوذة دون فهم حقيقي لتلك الظواهر؟

حدثت في العقود الأخيرة ثورة نظرية ومنهجية في كتابة التاريخ بحيث أخذ يشتد الاهتمام بتاريخ المواطنين العاديين الذين تجاهلتهم الكتابات التاريخية التقليدية ردحاً طويلاً من الزمان، وهى ما اصطلحنا على تسميته History from below  .أي ( التاريخ من أسفل) .وهو تاريخ  يحاول أن يملأ فجوات في بنية (المسكوت عنه تاريخياً عمداً أو بدون قصد) في المصادر التاريخية التقليدية ، والتي لا تستطيع وحدها أن تقدم لنا الصورة أوالحقيقة التاريخية ؛ إذ أنه لا يمكن للشهادات الجزئية أن تقدم لنا الحقيقة التاريخية, وإنما غاية ما يمكنها أن تقدم لنا، جانباً جزئياً من تلك الحقيقة التاريخية وقد رأى سيد عويس مبكراً أن دراسة تاريخ الناس العاديين الذين يقبعون في "سفوح المجتمعات" إن صح التعبير ودراسة ذهنيات المجتمع وأفكاره وما يعتقد فيه من خرافات يعد ملاذا للمؤرخين لاستكمال الفجوات في دراسة تاريخ مصر الاجتماعي، وأن هذه الأفكار الغيبية هي الملاذ لبعض أعضاء المجتمع المصري من المستنفعين الذين أعمتهم ألوان ثقافية عديدة من الظلام، سواء كانت هذه الألوان : الأمية بأنواعها أوالقلق المرضي أوالشعور بالاغتراب، وربط بين الزاروالعلاج الجماعي والسيكودراما، واقتحم ظواهر اجتماعية وقدم التفسير العلمي لها. وكسر كل الحواجز التي حالت دونما تلاقح التاريخ بعلم الاجتماع والمعارف والعلوم المجاورة التي كل بتجربتها، قواعدها وكذا نظرياتها.   

 ولعل أهم ما ميز هذا الإنتاج تأكيده على أهمية تقديم قراءة المجتمع وتاريخه قراءة تأويلية جديدة بكل تمثلاته الأنثروبولوجية والثقافية والسياسية، وبشكل لا يأبه بصرامة الوثائقية والتدوين الرسمي، وإعادة الاعتبار إلى صانعي التاريخ الحقيقي بعد أن جرت العادة على ألا يقترب منهم المؤرخون، ولا يرصدوا أحداث حياتهم اليومية ما بين إحباط وآمال وآلام، وكأن التاريخ هو التاريخ الرسمي فقط.

هل الأمثال الشعبية تعبرعن التراث المصري و انعكاسا للظروف الحياتية للمصريين؟

نحن كباحثين في حقل الدراسات التاريخية وفي إطار بحثنا عن الحقيقة التاريخية ودربها الطويل ..نجد أنفسنا أمام الأمثال والعبارات الشعبية كـ "تخريمة" للوصول إليها لتعطينا الحقيقة في (برشامة) كأي دواء ناجع له طعم المر ، لكنه يعيننا على احتمال العيش في الدنيا بالصبر في موضع البكاء والقنوط ، والبكاء في موضع الصبر وإدراك أن الحياة مزيج متشابك منهما معاً.

ومعها ندرك أن أمثالنا الشعبية تعابيرنا الشعبية الساخرة تعيدنا إلى أرض الواقع وتكشف لنا عن الحجرات الشعبية للتاريخ التي تعطينا صوراً أكثرمصداقية عما حوته الكتابات ذات الصبغة الرسمية. 

رائد علم الاجتماع الدكتور سيد عويس (صفحة الدكتور سيد عويس الفيسبوك)

قد يعجبك أيضا