هل انتهى زمن الوأد؟

هل انتهى زمن الوأد؟

بقلم : الدكتورعاصم حجازي أستاذ علم النفس التربوي المساعد بجامعة القاهرة

كان من عادة بعض العرب في الجاهلية أنه إذا رزق بمولود، وتبين أنه أنثى أن يبادر بوأد هذه الفتاة حتى لا يعيربها على حد زعمهم آنذاك، ولا شك أنها كانت عادة قبيحة، انتهت بانتشارالإسلام، وتمكن الإيمان من القلوب.

 ولكن هل انتهى زمن الوأد حقا؟!  الجواب يتوقف بلا شك على معنى الوأد هل نقصد به المعنى الشائع، والمنتشر، والمذكور في القرآن الكريم نصاً،  وهو وأد الأنثى المولودة حديثاً؟  أم أن الأمر يتعدى ذلك إلى الوأد بمعناه الأوسع والأكثرشمولا؟.

 في الواقع نرى كثيرا من الأشخاص يتمتعون بقدر من الذكاء يمكنهم من أن يكونوا قادة في مجالات مختلفة من مجالات التنمية، ولكنهم لايجدون من يقدم لهم الدعم اللازم من المحيطين بهم، وممن يعملون معهم في شركاتهم أومؤسساتهم سواء أكانوا رؤساء في العمل أم زملاء.

قد يهمك أيضا: أبناؤنا... كيف نجعلهم يتسمون باللطف ؟ (azwaaq.com)

وفي الواقع أيضاً نجد بعض الأسر، وهي تربي أبناءها على السمع والطاعة المطلقة بدون وعي أوبصيرة وكأنهم آلة جامدة، لا عقل لها ولا عمل، إلا تنفيذ أوامرالوالدين صحيحة كانت أوخاطئة .. تلك الأسر تربي أبناءها على مجموعة من التابوهات والقواعد الجامدة؛ فالأبوان أوالأب فقط هو مصدرالحكمة الوحيد، ورأيه هو الرأي السديد، ومناقشة الكبار فيما يطرحون من أفكار هي نوع من العقوق الممقوت والخروج عن دائرة الأدب.

 ومن وجهة نظر هذه الأسر فإن التمسك بالعادات والتقاليد يُعد  ديناً يجب أن يدين به الفرد،  وإلا اعتبر منسلخاً عن  جذوره وعن تلك العادات والتقاليد، وفي أرقى الأوصاف وألطفها (ليس ابن أصول)، هذه الأسرلا تنصت إلى آراء أبنائها صغاراً،  ولا تشركهم في أمورالأسرة وقراراتها كباراً.

 وفي بعض الأحيان يكون القراريخص الشاب أو الفتاة، ويمسه بطريقة مباشرة كالزواج مثلاً،  ولكن يفرض الرأي فرضاً،  وبصفة خاصة إذا كانت أنثى، وليس عليها حينئذ في تلك الثقافة، إلا السمع والطاعة.

إن مثل هذا النمط من التربية هو وأد للأفكار، ووأد لعملية التفكيرنفسها؛ حيث تصبح مجهودا زائدا عن الحاجة لا فائدة منه، ولا أهمية له؛ كونه لن يؤدي إلى تغييرالواقع والحال.

 و تنجح كثير من الأسر في إتمام عملية الوأد هذه؛ فتنتج نتيجة لذلك قوالب جامدة لرجال ونساء يدورون بتفكيرهم في نفس الدائرة التي وضعهم فيها الأبوان، ولا يحاولون الخروج منها، بل إنهم يقاومون وبشدة أي محاولة لإخراجهم من هذه الدائرة.

إن مثل هذه العملية بلا شك تفقدنا الكثير من العقول النيرة والطاقات المبهرة التي لوأتيحت لها الفرصة لأخذت بأيدينا إلى المستقبل بخطوات أسرع، وبخطى أكثر ثباتاً،  إننا بإغفال الحوار نقتل المواهب والأفكار، وبإغفال الاستماع والإنصات نجلب على عقول أبنائنا الكثيرمن المفاسد والآفات.

قد يهمك أيضا : الإفراط في المجاملات يصنع المشكلات (azwaaq.com)

والحقيقة أننا نمارس الوأد صباح مساء، علمنا بذلك أم لم نعلم؛ فإن وأد الأفكار جريمة، ووأد المواهب جريمة، وعلينا أن نبادر بالخروج من دائرة الوأد إلى دائرة الإنماء والتشجيع والتحفيز والدعم؛ فإن الفائدة حينئذ ستكون كبيرة جدا على الفرد والمجتمع ؟

ودعونا نتخيل كم من مواهب ستجد طريقها للظهور؟ وكم من أفكار خلاقة ستأخذ بأيدينا إلى تحقيق التقدم والنجاح المبهر؟ في كافة نواحي الحياة فقط إذا أتيحت لها الفرصة أن تحيا وتعيش، لا أن توأد ويقضى عليها في المهد.

 

قد يعجبك أيضا